الغزالي
122
إحياء علوم الدين
إلى ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة ، فخذ به الآن ، وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن . فلعل تلك الساعة قريبة . ودخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك ، فقال تكلم يا أعرابي ، فقال يا أمير المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله وإن كرهته ، فإن وراءه ما تحب إن قبلته . فقال يا أعرابي ، إنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه ، ولا نأمن غشه ، فكيف بمن نأمن غشه ونرجو نصحه ؟ فقال الأعرابي : يا أمير المؤمنين ، إنه قد تكنفك رجال أساؤا الاختيار لأنفسهم ، وابتاعوا دنياهم بدينهم ، ورضاك بسخط ربهم . خافوك في الله تعالى ولم يخافوا الله فيك . حرب الآخرة سلم الدنيا . فلا تأتمنهم على ما ائتمنك الله تعالى عليه ، فإنهم لم يألوا في الأمانة تضييعا ، وفي الأمة خسفا وعسفا . وأنت مسؤول عما اجترحوا ، وليسوا بمسئولين عما اجترحت . فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك ، فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره . فقال له سليمان : يا اعرابي ، أما إنك قد سللت لسانك وهو أقطع سيفيك ، قال : أجل يا أمير المؤمنين ، ولكن لك لا عليك . وحكى أن أبا بكرة دخل على معاوية ، فقال اتق الله يا معاوية ، واعلم أنك في كل يوم يخرج عنك ، وفي كل ليلة تأتي عليك ، لا تزداد من الدنيا إلا بعدا ، ومن الآخرة إلا قربا وعلى أثرك طالب لا تفوته . وقد نصب لك علما لا تجوزه . فما أسرع ما تبلغ العلم ، وما أوشك ما يلحق بك الطالب . وإنا وما نحن فيه زائل . وفي الذي نحن إليه صائرون باق إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . فهكذا كان دخول أهل العلم على السلاطين ، أعنى علماء الآخرة . فأما علماء الدنيا فيدخلون ليتقربوا إلى قلوبهم ، فيدلونهم على الرخص ، ويستنبطون لهم بدقائق الحيل طرق السعة فيما يوافق أغراضهم ، وإن تكلموا بمثل ما ذكرناه في معرض الوعظ ، لم يكن قصدهم الإصلاح ، بل اكتساب الجاه والقبول عندهم . وفي هذا غروران يغتر بهما الحمقى أحدهما : أن يظهر أن قصدي في الدخول عليهم إصلاحهم بالوعظ ، وربما يلبسون على أنفسهم بذلك ، وإنما الباعث لهم شهوة خفية للشهرة وتحصيل المعرفة عندهم . وعلامة الصدق في طلب الإصلاح أنه لو تولى ذلك الوعظ غيره ، ممن هو من أقرانه في العلم ، ووقع